السيد كمال الحيدري

102

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

من أبرز مزايا النظرية الثالثة أنّها تجمع في مركّب واحد بين نسبة الفعل إلى الله ونسبته إلى الإنسان فتتحاشى الجبر وتحافظ على الاختيار الإنسانى ، وتصير من وراء ذلك إلى توازن متين بين أصل السلطنة والمشيئة والإرادة الإلهية من جهة وأصل العدل الإلهى من جهة أخرى ، دونما تفريط بأحد الطرفين لحساب الآخر . هذا الجمع المتوازن بين النسبتين والأصلين استمدّته نظرية الأمر بين الأمرين من كتاب الله . فمن جهة يخبر القرآن صراحة وفى آيات كثيرة أنّ الإنسان فاعل مختار في ممارسته وأفعاله ، كما في قوله سبحانه : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ « 1 » ، وقوله : كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ « 2 » ، وقوله : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ « 3 » ، وقوله : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى « 4 » ، وقوله : وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ « 5 » ، وقوله : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى « 6 » ، وقوله : إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً « 7 » ، وقوله : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا « 8 » . على خطّ آخر يتحدّث عدد كبير آخر من آيات القرآن الكريم عن إحاطة

--> ( 1 ) فصّلت : 46 . ( 2 ) الطور : 21 . ( 3 ) النور : 11 . ( 4 ) النجم : 41 39 . ( 5 ) الكهف : 29 . ( 6 ) الزمر : 7 . ( 7 ) الإنسان : 3 . ( 8 ) الشمس : 10 7 . لقد مرّ عدد كبير من هذه الآيات أثناء البحث عن اختيار الإنسان عند ردّ نظرية الأشاعرة التي ذهبت إلى أنّ الإنسان مجبر في فعله ومضطرّ .